الشيخ عبد الغني النابلسي

92

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

أَوْ نُنْسِها [ البقرة : 106 ] نأت بخير منها ، يعني من جهة رفعة المقام ، أو مثلها من جهة المساواة ، فالإنسان حينئذ هو الأوّل في عين آخريته ، والآخر في عين أوليته ، وكذلك هو الظاهر في حال تلك النسبة إليه ، والباطن في حال سلبها عنه ، وسلبها عنه كائن معها على كل حال ، فهو الظاهر في عين باطنيته ، والباطن في عين ظاهريته ، فتقابلت الحضرتان : حضرة الحق وحضرة الإنسان . ( ووصف الحق ) تعالى ( نفسه بالرضى ) في قوله : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ [ المائدة : 119 المجادلة : 22 ، البينة : 8 ] ( والغضب ) في قوله : وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [ الفتح : 6 ] ، ( وأوجد العالم ) الإنساني وغيره ( ذا خوف ) من ضرّ أو فوات نفع ( ورجاء ) لنفع أو فوات ضر ( فنخاف غضبه ) ، أن يظهر فينا أثره وهو الانتقام ( ونرجو رضاه ) ، أن يظهر فينا أثره وهو الإنعام ، كما جعل فينا غضبا ورضى ليخافنا غيرنا ويرجونا غيرنا أن يظهر فيه أثر غضبنا ورضانا من انتقام أو إنعام . ( ووصف ) الحق تعالى أيضا ( نفسه بأنه جميل ) ، كما ورد في الحديث : « إن اللّه جميل يحب الجمال » « 1 » ( وذو جلال ) كما قال تعالى : ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ [ الرحمن : 27 ] ، ( فأوجدنا الحق تعالى على هيبة ) تجدها في قلوبنا عند ظهور جلاله لنا ( وأنس ) نجده في قلوبنا عند ظهور جماله لنا ، وكذلك جعلنا ذا جلال وجمال ليهابنا غيرنا ويأنس بنا غيرنا . واعلم أن الغضب والرضى حضرتان للّه تعالى يظهران لأهل البداية ، فيظهر بظهورهما من أهل البداية الخوف والرجاء ، والجلال والجمال حضرتان للّه تعالى أيضا في مقابلة ذلك يظهران لأهل التوسط في الطريق ، فيظهر لظهورهما من أهل التوسط الهيبة والأنس والقبض والبسط . وكذلك التجلي والاستتار حضرتان للّه تعالى يظهران لأهل النهاية ، فيظهر لظهورهما من أهل النهاية الفناء والبقاء . فالغضب والرضاء لأهل البداية يسمى جلالا وجمالا لأهل التوسط ، ويسمى استتارا وتجليا لأهل النهاية ، وكذلك الخوف والرجاء للمبتدئين ، والهيبة والأنس والقبض والبسط للمتوسطين ، والفناء والبقاء للمنتهين . ( وهكذا جميع ما ينسب إليه تعالى ) من الإعزاز والإذلال والخفص والرفع والضر والنفع والعطاء والمنع والإحياء والإماتة ، فنعز بإعزازه ، ونذل بإذلاله ،

--> ( 1 ) رواه مسلم في صحيحه ، باب تحريم الكبر وبيانه ، حديث رقم ( 91 ) [ 1 / 93 ] وأحمد في المسند ، آخر أحاديث عبد اللّه بن عباس برقم ( 3789 ) [ 1 / 399 ] ورواه غيرهما .